مواجهة أزمة الصحة العقلية للطلاب
تشهد الصحة العقلية للشباب والطلاب حول العالم أزمة متصاعدة، حيث تحولت المدارس تدريجياً من مجرد مؤسسات تعليمية إلى خط الدفاع الأول في مواجهة هذه التحديات. لم يعد الأمر مقتصراً على بقعة جغرافية واحدة؛ فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف، يعاني
حوالي واحد من كل سبعة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و 19 عاماً من اضطراب نفسي. هذه الأرقام الصادمة تؤكد أن التحدي عالمي، ويتطلب استجابة عالمية ومنهجية تبدأ من البيئة التعليمية.
لقد أظهرت البيانات العالمية أن معدلات القلق والاكتئاب والشعور باليأس في ارتفاع مستمر بين الفئات العمرية الشابة. وفي كثير من المجتمعات، أصبحت المدارس هي المكان الأساسي الذي يتلقى فيه الشباب خدمات الصحة العقلية، حيث تشير التقديرات إلى أن نصف الشباب الذين يتلقون رعاية نفسية يحصلون على جزء منها على الأقل في الإعدادات التعليمية. ومع ذلك، تظل الفجوة كبيرة؛ إذ لا يتلقى عدد كبير من الطلاب الرعاية اللازمة بسبب عوائق متعددة تشمل الوصم الاجتماعي، ونقص الكوادر المتخصصة، والتكاليف الباهظة، وغياب الخدمات الشاملة.
لتحويل المدارس إلى بيئات داعمة للصحة العقلية، يجب تبني استراتيجيات شاملة تتجاوز مجرد الاستجابة للأزمات، حيث تتفق المبادئ التوجيهية الدولية على ضرورة بناء نظام متكامل يرتكز على ستة أركان أساسية تبدأ من الترويج للصحة وتنتهي بالتمويل المستدام. يتمثل الركن الأول في الخدمات الشاملة، والتي تهدف إلى توفير سلسلة متكاملة من الرعاية داخل المدرسة، تشمل الترويج للرفاهية، والتعلم الاجتماعي والعاطفي (SEL)، والفحص الشامل، والتدخلات المبكرة للقلق. أما الركن الثاني فهو الشراكات المجتمعية، ويهدف إلى ربط المدرسة بالموارد الخارجية لتقديم دعم شامل، مثل التعاون مع عيادات الصحة الأولية، ومراكز الإسكان، ومنظمات دعم الأسرة والشباب. ويأتي الركن الثالث وهو بناء القوى العاملة، ويسعى لسد النقص في المتخصصين وتدريب الكوادر الحالية، من خلال تدريب المعلمين والموظفين على الإسعافات الأولية للصحة العقلية، وتوسيع دور دعم الأقران. ويتطلب الركن الرابع، وهو الحوكمة الواضحة، إنشاء هياكل تنسيقية بين القطاعات الحكومية والمجتمعية، مثل تشكيل لجان وطنية أو إقليمية للصحة العقلية للطفل والمراهق. في حين يركز الركن الخامس على أنظمة البيانات المتكاملة، ويهدف إلى استخدام البيانات لتوجيه القرارات وتقييم النتائج، من خلال جمع بيانات حول معدلات القلق والتسرب المدرسي ومطابقتها مع توفر الموارد والخدمات. وأخيراً، يضمن الركن السادس، وهو التمويل المستدام، تأمين مصادر تمويل متنوعة وطويلة الأجل للبرامج، بالاعتماد على نماذج التمويل المدمج واستخدام آليات السداد عبر التأمين الصحي حيثما أمكن.
تحديات القوى العاملة والشراكات
يُعد النقص في الكوادر المؤهلة تحدياً عالمياً يواجه الأنظمة التعليمية والصحية على حد سواء. لا يمكن للمدارس أن تنتظر حل أزمة نقص الأخصائيين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين على المستوى الوطني. الحلول المقترحة عالمياً تركز على توسيع نطاق الدعم من خلال:
تدريب الموظفين الحاليين: تزويد المعلمين والمستشارين والموظفين الإداريين بالمهارات الأساسية للتعرف على علامات الضيق النفسي وتقديم الدعم الأولي والإحالة المناسبة
- دعم الأقران: تشجيع برامج دعم الأقران، حيث أظهرت الدراسات أن الشباب يرحبون بالدعم المقدم من زملائهم
- الاستفادة من التكنولوجيا: يمكن لخدمات الصحة العقلية عن بعد (TELEHEALTH) أن تسد الفجوات في المناطق الريفية أو التي تعاني من نقص في الأخصائيين، مما يقلل من أوقات الانتظار ويزيد من إمكانية الوصول
كما أن الشراكات المجتمعية القوية ضرورية لتقديم الدعم الشامل .(WRAPAROUND SUPPORT) فمشاكل الصحة العقلية غالباً ما تتفاقم بسبب ظروف معيشية صعبة مثل انعدام الأمن السكني أو الحاجة إلى دعم الأسرة. ربط المدارس بمنظمات مجتمعية متخصصة في الإسكان والنقل والرعاية الصحية الأولية يخفف العبء عن المدرسة ويضمن حصول الطالب على شبكة دعم متكاملة.
الحوكمة والتمويل: مفتاح الاستدامة
إن نجاح أي برنامج للصحة العقلية في المدارس يعتمد على وجود هيكل حوكمة واضح ومساءلة مشتركة. غالباً ما تعمل أنظمة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية في “صوامع” منفصلة، مما يحد من تأثير الجهود المبذولة. تتجه الدول الرائدة، مثل كندا وأستراليا، نحو إنشاء استراتيجيات وطنية للصحة العقلية تضمن التنسيق بين هذه القطاعات. هذا التنسيق يشمل:
.تحديد الأدوار والمسؤوليات بين الأطراف المعنية (المعلمين، الأطباء، الأخصائيين النفسيين، قادة الوكالات)
.إدماج أصوات الشباب والأسر في عملية صنع القرار لضمان أن تكون الخدمات ذات صلة وفعالة
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لأي مبادرة أن تستمر دون تمويل مستدام ومتنوع. مع انتهاء التمويل الطارئ الذي قدمته بعض الحكومات في أعقاب الجائحة، يجب على الدول البحث عن آليات تمويل بديلة. يشمل ذلك دمج خدمات الصحة العقلية المدرسية ضمن أنظمة التأمين الصحي الوطنية أو الإقليمية، وتطبيق نماذج “التمويل المدمج” التي تجمع بين الموارد الحكومية والمحلية والخاصة لضمان استمرارية الخدمات وتوسعها.
إن أزمة الصحة العقلية للطلاب هي تحدٍ عالمي يتطلب عملاً منسقاً. من خلال تبني الأركان الستة للتدخل الشامل، يمكن للمجتمعات أن تحول مدارسها إلى منارات للرعاية والدعم، مما يضمن أن يتمكن الجيل القادم من الازدهار أكاديمياً وعاطفياً.